ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

416

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

كان كرجل سمعت أعناء ( 1 ) العامة تعظمه وتصفه ( 2 ) فأحببت لقائه من حيث لا يعرفني فأعرف مقداره ومحله فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من أعناء العامة فوقفت منتبذا عنهم مغشيا بلثام أنظر إليه وإليهم فما يزال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر فتفرقت العوام عنه لحوائجهم وتبعته أقتفي أثره فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معاملة ثم مر بعده بصاحب الرمان فما زال به حتى تغفله وأخذ من عنده رمانتين مسارقة فعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معاملة ثم أقول ما حاجته إذا إلى المسارقة ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه ومشى فتبعته حتى استقر في بقعة من صحراء فقلت له يا عبد الله لقد سمعت بك فأحببت لقاءك فلقيتك لكني رأيت منك ما أشغل قلبي وإني سائلك عنه ليزول به شغل قلبي قال وما هو قلت رأيتك مررت بخباز وسرقت منه رغيفين ثم بصاحب الرمان وسرقت منه رمانتين قال فقال لي قبل كل شيء حدثني من أنت قلت رجل من ولد آدم من أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم قال حدثني من أنت قلت رجل من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال أين بلدك قلت المدينة قال لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام قلت بلى فقال لي فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به وتركك علم جدك وأبيك لئلا تنكر ما تحب أن يحمد به غيرك ويمدح فاعله قلت وما هو قال القرآن كتاب الله قلت وما الذي جهلت منه قال قول الله عز وجل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فلما تصدقت بكل واحدة منهما كانت أربعين حسنة فأنقص من أربعين حسنة أربع سيئات يبقى ست وثلاثون قلت ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب الله أما سمعت الله عز وجل يقول إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فلما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنما أضفت

--> ( 1 ) الأعناء : القوم من قبائل شتى يقال جائنا أعناء من الناس . ( 2 ) بعض النسخ [ سمعت من العامة تعظيمه وتوصيفه ] .